newsflash

 

استخدام التطرف لحسم الصراع السياسي

يسري حسين

عندما وصل مرسي إلى السلطة ونظم احتفالات بنصر أكتوبر على طريقته الإخوانية، دعا قتلة السادات لحضور هذا الاحتفال لإعادة صوغ تلك الأعياد بطريقة مختلفة.

عندما جاء الرئيس أنور السادات إلى حكم مصر، شيد استراتيجية سلطته على إطلاق غول الإخوان المسلمين على معارضيه من اليساريين والليبراليين والناصريين. سمح الرئيس بعودة الإخوان إلى الجامعات لتكوين جماعات سياسية تعتمد على العنف وإرهاب لاستئصال المعارضة التي جابهت حكم السادات بتظاهرات واعتصامات. كانت قيادات إخوانية شابة آنذاك أمثال عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وراء تجميع الموجة الإخوانية، التي تبلورت في زخم أشد خلال عصر فتح أمامها الأبواب وكان يشجع على تكوين هذه الجماعات ومساندتها .

لقد انحازت الدولة الساداتية لفكرة تكوين مجموعات قوية وإحياء تنظيم الإخوان المسلمين الذي تعرض لضربات قوية من أجهزة الأمن المصرية خلال الخمسينيات والستينيات. كان هدف الرئيس السادات التصدي للمعارضة القوية ضد نظامه لأنياب الإخوان، وقهر التيارات الأخرى التي كانت تدافع عن القطاع العام والعدالة الاجتماعية وحرية تعدد الأحزاب ووجود صحافة حرة .

وتكشف مذكرات لسياسيين عن دور الدولة آنذاك في تشجيع التيار الإخواني السلفي مثلما فعل محمد عثمان إسماعيل الذي تولى محافظة أسيوط وهو المقرب من الرئيس السادات وتولى بضوء أخضر منه، تشكيل مجموعات الجماعة الإسلامية المتشددة لإزالة نفوذ التيارات الأخرى والقضاء عليها.

ارتكبت دولة السادات خطيئة تشجيع التطرف بكل ألوانه، كما أنها استثمرت ظروف الحرب الباردة واندلاع الصراع في أفغانستان لتقوية نفوذ هذه الجماعات التي انتعشت في ظل هجرة المثقفين المصريين وغلق صحف الاستنارة ومطاردة المعارضين، مما سمح بملء الفراغ بالفكر الذي يدعي الدين وهو يروج لسياسات تضعف المجتمع وتنهك قواه .

كانت السبعينيات هي إعادة طرح فكر الإخوان الذي انتعش في أجواء هزيمة 1967 القاسية. وكان الأمل أن يحقق عبور الجيش إلى سيناء إعادة التوازن لمؤسسات المجتمع المصري، غير أن السادات استغل النصر العسكري في تدعيم أركان حكمه بالاستناد إلى قوى سياسية تدفع إلى الوراء وتفتت قوى المجتمع وتزرع الانقسام والتشرذم .

لهذا لم يكن غريباً نزوع جماعات التطرف إلى المزيد من استخدام العنف، حيث برزت جماعة شكري مصطفى المعروفة إعلامياً بالتكفير والهجرة، وأيضاً الهجوم الذي حدث على الكلية الفنية العسكرية على يد صالح سرية مع آخرين. لقد وصل خطاب التطرف إلى قمته مع تعديل مسار الدولة إلى الخلف وفتح الأبواب أمام الاقتصاد الحر العشوائي دون استغلاله لدفع قطار التنمية إلى الأمام.

وبينما كان السادات في قمة نشوته للقضاء على معارضيه وخصومه، انطلق الرصاص من بنادق الجماعة الإسلامية والأخرى الإخوانية وأفراد الجهاد فسقط الرئيس المؤمن قتيلا بين أفراد جيشه وأركان نظامه. وكان الاغتيال قمة المأساة واللعب في الساحة السياسية باستخدام التطرف للقضاء على خصوم للنظام.

ورغم مأساة اغتيال السادات، فإن لعبة التوازنات لم تنته، إذ استمرت العشوائية السياسية، حيث استعان نظام حسني مبارك بالقبضة الأمنية بطريقة خاطئة تماماً .

كانت سياسة حبيب العادلي وزير داخلية مبارك تعتمد على قبضة فولاذية في مطاردة الجماعة والمنظمات الإرهابية، غير أن النظام الذي تورط في الفساد خنق مبادرات التنوير الفكري والحراك الثقافي والاجتماعي، لذلك سقطت مصر في بحار التخلف، على الرغم من وجود قشرة حضارية مصطنعة.

سياسة الاعتماد على الإخوان لإجهاض تيارات سياسية أخرى، بدأت مع تكوين الجماعة على يد حسن البنا في مدينة الإسماعيلية عام 1928 . لقد استعان نظام الملك فاروق بالإخوان لتقويض نفوذ حزب الوفد. واهتمت أحزاب الأقلية بهذا التيار لإنهاك شعبية الوفد في القرى والأرياف. لكن الإخوان اغتالوا محمود النقراشي رئيس الوزراء وهو زعيم حزب الأحرار السعديين، إذ انقلبت عملية التحالف مع الإخوان إلى صدر القوى السياسية الليبرالية التي استخدمت هذا الفصيل لإجهاض الديمقراطية.

خطورة فكر الإخوان استناده على تفكيك الأوطان، فلم ينشغل خلال فترة مقاومة الاستعمار بالكفاح الوطني، ولم يطرح حلاً للأزمة الاجتماعية، وإنما شعارات الإخوان ظلت دائماً هلامية غير محددة تفتقر إلى برنامج سياسي يدفع نحو نهضة وتنمية، .ولعل تجربتهم في الحكم تكشف هشاشة نظرية وسياسية، تعتمد على ترديد الشعارات وحشد الجماهير والانطلاق بها نحو عداء للآخر. تابعت برنامج الإخوان خلال عام، ولم يخلق عن تقاليد ثابتة لهم، وهو المنهج السلبي بإطلاق الهجوم على الآخرين ووصفهم بعدم الإيمان وأنهم بعيدون عن الطريق الصحيح وفي قلب الضلال .

هذا الأسلوب له جاذبية لدى الطبقات الأقل وعيا وتعليماً، تنجذب إلى أوهام عن الطهارة ونظافة اليد، ولكن عند الاختبار العملي تظهر بشاعة أسلوب الحكم الذي يستند على الاستبداد مع ارتداء القناع الديني.

تابعت خطابات محمد مرسي كلها خلال سنة في السلطة، ولم تخرج عن الوعظ والإرشاد واستخدام التهديد المباشر والطعن في أخلاق المعارضين وإيمانهم، مع غياب كامل لبرنامج سياسي يعتمد على خطة واضحة لتشغيل أركان الدولة. وهذا هو سر غضب المصريين على الحكم الذي اختفى وراء قناع الدين دون تقديم رؤية لإدارة الحياة اليومية أو التخطيط للمستقبل.

والغريب أن بعض الأسماء التي تدعي أنها أكاديمية دافعت عن نظام مرسي وبررت كل الأخطاء التي وقع فيها. واعتبرت ازاحته تشكل خروجا على الشرعية والديمقراطية.

ولنكن صرحاء وندرك أن قاموس الإخوان ينبذ كلمة الديمقراطية، ويعتبرها بدعة معاصرة لا يجوز التعامل معها. وقد استمعت إلى داعية إخواني هو وجدي غنيم، وكان عندما يذكر «الديمقراطية» يصفها بكل النعوت القذرة ويربطها بكل ما يتعارض مع أحكام الدين والأخلاق، ويقول أن النظام الديمقراطي إلحادي كافر لأنه يدعو إلى حكم الشعب وهذا في رأيه ضلال كامل.

كشفت تجربة مرسي في الحكم أن الإخوان فقاعة سياسية وكذبة كبيرة خادعة، وأن أنظمة استبدادية تستغل نفوذها لتقويض الديمقراطية والاعتداء عليها.

أصحاب الألقاب الأكاديمية الخادعة، هم أنصار الاستبداد وتفكيك هوية الأمم، ويدافعون عن أكثر الأنظمة تخلفاً وإرباكا للبنية الاجتماعية. لقد قرأت مقالات معبئة بالسموم يدافع أنصارها عن الديمقراطية بدعوى أن نظام مرسي كان يرسخها، بينما الحقيقة أنه كان يعتدي على مكتسبات المصريين وهدفه كان نسف الدولة وإرباك الشعب وإسقاطه في حروب داخلية.

الرئيس الراحل أنور السادات تصور أن الإخوان معه لمحاربة الليبراليين واليساريين والناصريين، لكنهم قتلوه في مشهد فاجع خلال الاحتفال بنصره في حرب اكتوبر.

وعندما وصل مرسي إلى السلطة ونظم احتفالات بنصر أكتوبر على طريقته الإخوانية، دعا قتلة السادات لحضور الاحتفال لإعادة صوغ تلك الأعياد بطريقة مختلفة، ليس لعبور الجيش الوطني إلى الضفة الأخرى للقناة وتحرير سيناء، وإنما لتأكيد صعود الإخوان على أجسادنا نحن وتثبيت حكمهم وتدمير أركان الدولة المصرية.وعندما دعا محمد البلتاجي وصفوت حجازي لعبور جديد على طريقتهم، كان في ذهنهما أكتوبر الآخر، ليس الذي صنعه الجيش المصري، وإنما للهجوم عليه ومحاولة تشتيته واتهامه مما يعكر صورته عند الجماهير.

إن الإخوان يستنسخون أساليب «جبهة النصرة» وطريقة تنظيم «القاعدة» ويرفعون الأعلام السوداء أمام جامعة القاهرة، وهي التي ظلت لأكثر من مائة عام ترفع أعلام التنوير والعقل ونور الثقافة والفنون.

إن هذه التيارات الخبيثة تدفع إلى تدمير المجتمعات والحل في التصدي لنفوذها هو محاولة تهذيب تياراتها الشابة بأدوات الديمقراطية، إذ يمكن البقاء في الساحة دون عنف أو إجرام سياسي، وإن كنت أشك في التخلي عن هذه الأساليب التي رافقت وجودهم منذ عام 1928 حتى الآن.

يسري حسين


2014 united copts .org
Copyright © 2017 United Copts. All Rights Reserved.
Joomla! is Free Software released under the GNU General Public License.