المرض بين العلم والإيمان

بقلم منير بشاى

 

        مع ظهور وباء الكورونا وانتشاره فى العالم ترددت بين الناس كثير من التساؤلات: هل هذاالوباء من الله وبذلك يكون التدخل الالهى المباشر هو الوسيلة الوحيدة للقضاء عليه؟  ام انه ظاهرة طبيعية يكون علاجها بواسطة الانسان وباجتهاد العلم؟ 

        واذا نظرنا الى الدائرة الأوسع: هل المرض يرتبط وجوده بضعف الايمان؟  ويختفى مع قوة الايمان؟  ام انه ظاهرة طبية علمية؟  ام ان الموضوع أكبر واوسع؟

نحن نعرف ان السيد المسيح قال "لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى" متى 9: 12 وفى هذا تصريح من السيد المسيح بالاحتياج للطبيب. وضمن رسل السيد المسيح السبعين كان لوقا الذى يسجل الكتاب المقدس عنه انه كان طبيبا، ولم يطالبه احد بترك مهنته، بل اطلق عليه الرسول بولس اسم "لوقا الطبيب الحبيب" كولوسى 4: 14. وكذلك نعرف ان عددا من رجال الله المعاصرين يعيشون مع المرض وبعضهم انتقل من الحياة بعد معاناة مع المرض.

نعم، المرض لم يكن مخطط الله للانسان منذ البداية. الله صالح وكل عطاياه صالحة "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق نازلة من عند ابى الانوار" يعقوب 1: 17. فعندما خلق الله الانسان صنعه كاملا، جسدا ونفسا وروحا، وكان من الممكن ان يعيش الانسان الى الابد فى هذه الحالة. ولكن حالة الكمال هذه كانت مرتبطة بطاعة الانسان لله.

كانت تعليمات الله واضحة لآدم حين وضعه فى الجنة "من جميع شجر الجنة تأكل اكلا واما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت" تكوين2: 16 و 17. كانت الوصية اختبارا لطاعة آدم لله والثقة فى كلامه. وعصى آدم وصية الله وسقط فى الخطية ومعها صار عليه حكم الموت، وبدخول الموت حدث انفصال روحى بين الانسان والله، واصبحت النفس معرضة للاضطرابات، ودخل فى الجسد الفساد فى صورة تقبله للمرض الذى هو الموت البطىء. يقول الرسول بولس "من اجل ذلك كأنما بانسان واحد دخلت الخطية الى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس اذ اخطأ الجميع" رومية 5: 12

وجاء السيد المسيح الى العالم ليعالج مشكلة الخطية ويعمل تكفيرا لخطايانا على الصليب ويعطى الحياة الأبدية لكل من يؤمن به (يوحنا 3: 16) ولكن رغم اننا اخذنا وعد الحياة الأبدية فاننا ما نزال نسكن هذا الجسد، بكل عيوبه ومحدوديته، الى ان تنتهى رحلة حياتنا على الأرض، وبعدها سنعطى جسدا ممجدا "سيغير (المسيح) شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته ان يخضع لنفسه كل شىء" فيلبى 3: 21. ويصف الرسول بولس هذا الحدث العظيم فيقول " هوذا سر أقوله لكم. لا نرقد كلنا ولكننا نتغير فى لحظة فى طرفة عين عند البوق الأخير. فانه سيبوق فيقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد ان يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت. ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة ابتلع الموت الى غلبة" 1 كورنثوس 15: 51- 55

ولكن ما دمنا نعيش داخل هذا الجسد الفاسد فنحن معرّضون للمرض وايضا للموت. وهناك امور كثيرة فى الحياة تساعد على انتشار المرض، ومنها:

- تكويننا الطبيعى: مثل الامراض التى تتعلق بالطفولة والتى ترتبط بالشيخوخة.

- العوامل الوراثية: فبعضنا ورث أمراض ضغط الدم او السكر أو الكلسترول او غيره.

- العدوى: هناك امراض معدية تتناقل بالاختلاط الفردى وهناك اوبئة تجتاح دولا بأكملها.

- التلوث البيئى: مثل تلوث المياه وتلوث الاطعمة وتلوث الهواء.

- تدنى مستوى المعيشة: من ضعف التغذية وقلة النظافة وعدم توفر التطعيمات الواقية.

- .الكوارث: مثل الزلازل والفيضانات والحروب وما يصاحبها من اصابات وأمراض.

نتيجة لذلك من الطبيعى ان لا يتحقق فى هذه الحياة امكانية تخلص جميع الناس من كل الامراض فى كل الاوقات. ومع ذلك فهناك حالات مايزال الله يجرى فيها معجزات للشفاء فى يومنا هذا دون طبيب أو دواء.  وفى ظروف خاصة واوقات معينة يسمح الله بظهورات سمائية تصحبها معجزات على نطاق واسع منها معجزات الشفاء. هذه قد تحدث لتثبيت المؤمنين وتشجيعهم فى الضيقات والاضطهادات او لإعلان الله عن نفسه لغير المؤمنين لجذبهم للإيمان. وهذا ما حدث فى زمن الكنيسة الأولى ويحدث فى فترات خاصة على مر العصور ومنها ما عاصرناه فى ايامنا.

ومع ذلك لا يجب ان نصر على ان الله يتعامل معنا دائما من خلال المعجزات. فالبعض يفهم الايمان على انه المقدرة على صنع المعجزات، ولكن الايمان القوى هو الذى يثق فى الله رغم عدم رؤيته للمعجزات "لأنك رأيتنى يا توما آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا" يوحنا 20:29

الخلاصة انه فى تعاملنا مع المرض نتعلم دروسا ثمينة من الرسول بولس. فالرسول بولس تعامل مع الثلاث الحالات التى يمكن ان يمر بها المريض.

فأولا: اختبر الرسول بولس الشفاء بمعجزة وقد استخدمه الله فى اجراء معجزات شفاء لكثيرين. وثانيا: عرف الرسول بولس كيف ان ارادة الله يمكن ان يعيش الانسان مع المرض فقد تضرع لله ثلاث مرات ان يفارقه المرض ولكن الله قال له "تكفيك نعمتى" 2كو 12: 9. وايضا لم تكن ارادة الله الشفاء العاجل المعجزى لشريكه المقرب "ابفرودتس" الذى مرض قريبا من الموت" ولكن الله رحمه ورحم بولس ايضا من الحزن الذى كان سيسببه موته (فيلبى 2: 25- 27).

وثالثا: كان الرسول بولس يقدر قيمة العلاج بالدواء فنصح تلميذه تيموثاوس باستخدام الدواء المعروف فى ذلك الوقت لعلاج مرضه "لا تكن فيما بعد شراب ماء بل استخدم خمرا قليلا من اجل معدتك وأسقامك الكثيرة" 1تى 5: 23.

فى جميع هذه الحالات الأمر كله يرجع الى الله. فالشفاء باى طريقة هو شفاء الهى.  على الانسان ان يستخدم ما اعطاه الله من علم وعليه ان يثق فى الله لأن الله هو الشافى.


2014 united copts .org
Copyright © 2020 United Copts. All Rights Reserved.
Joomla! is Free Software released under the GNU General Public License.