المستير- إلى أين يأخذنا؟

بقلم منير بشاى

     أقترب من هذا الموضوع بحرص شديد.  وأؤكد ان ما سأورده هنامجرد رأي فى قضية اصبحت على كل لسان.  وليس قصدى الاضافة الى الجدل او سكب الزيت على النار بل توضيح الرؤية وتهدئة النقاش.  وفى النهاية هو رأي لا افرضه على احد، ولكن القرار الذى يعتد به هو قرار المجمع المقدس الذى يجرى نقاشه وصياغته والذى يجب بعد صدوره ان نحترمه ونخضع له .

       بداية أظن ان الموضوع واضح ولا يتطلب كل هذا الصراع والصراخ والتشنج.  صحيح انه يرتبط بسر هام من اسرار الكنيسة ولكننا لا نناقش السر الذى له عندنا كل التقديس والاحترام.  هذا السر أسسه السيد المسيح ومارسه مع تلاميذه وامرهم بالاستمرار فى ممارسته وتسليمه من جيل الى جيل وتم تسجيل هذا فى مواضع عديدة فى الاناجيل.

       والرسول بولس أيضا يتناول الموضوع فى كتاباته فيقول "لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم ايضا: ان الرب يسوع في الليلة التي اسلم فيها، اخذ خبزا وشكر فكّسر، وقال:«خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم.  اصنعوا هذا لذكري».  كذلك الكأس ايضا بعدما تعشوا، قائلا: «هذه الكاس هي العهد الجديد بدمي. اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري»  (1كو 11: 23- 25)

       كل هذه ثوابت ايمانية لا نناقشها ولا نشكك فيها.  العقيدة ثابتة فى كل زمان ومكان ولا تخضع للتغيير مهما كانت الظروف وواجبنا ان نتمسك بها حتى النفس الأخير وندافع عنها حتى آخر قطرة من دمائنا.

ولكن هناك جانب للموضوع يختص بالطقس اى الطريقة والنظام الذى يتم به ممارسة السر.  والطقس مع أهميته قابل للتغيير بحسب الظروف التى تطرأ على حياتنا.  فعلى سبيل المثال يسمح حاليا للمرضى بتناول الجسد مغموسا بالدم.  وهو امر مستجد لم يكن معمولا به منذ البداية.

       لا يخفى ان العالم اليوم يمر بأزمة صحية خطيرة بسبب انتشار فيروس الكورونا (كوفيد- 19) تسببت حتى وقت كنابة هذا المقال فى اصابة حوالى 10 مليون ووفاة حوالى نصف مليون وغلق العديد من مؤسسات المجتمع ومنها الكنائس.  وعندما بدىء فى اعادة الفتح كانت هناك العديد من الاجراءات الاحترازية الصارمة التى فرضت التباعد الاجتماعى بين الناس والتعقيمات وغيرها من الاحتياطات التى تهدف الى حماية الاصحاء من الاصابة بالفيروس.

       وهنا اثير موضوع المستير (ملعقة التناول) وطريقة استعمالها اذ لا يمكن تفادى لمسها للشفاة وبذلك هناك احتمال ان تنتقل العدوى من مريض الى الاصحاء ممن يلمسون بشفاههم نفس الملعقة.  وحتى اذا افترضنا أن احتمال نقل العدوى بهذه الطريقة ضئيل ولكننا لا نستطيع ان نجزم انه مستحيل.  والأهم انه قد يتعارض مع تعليمات السلطات وبالتالى قد يتسبب فى مساءلة قانونية.

       الحل هو التوقف (ولو مؤقتا) عن استعمال المستير واستبدال هذا  بطريقة أخرى تكون آمنة.  رد الفعل الحالى على هذا متباين بين من يقبلون مبدأ التغيير ومن يرفضونه.  والرافضون ينظرون للتغيير على انه تعدّى على مقدسات مسلمة لنا.  وهؤلاء ينسون ان المستير لم يكن الأداة التى استعملها السيد المسيح وانها استعملت فى عصر لاحق لتسهيل عملية التناول بعد التكاثر فى العدد.  واليوم نواجه مشكلة جديدة يتتطلب حلها تغيير جديد.

       ولكن المصرّين على عدم التغيير يثيرون قضية اخرى وهى الايمان فيقولون: اين ايماننا؟  هل نشك فى قدرة الله على الحماية  من اى اخطار يمكن ان تحدث فى طريق تناولنا من جسد الرب ودمه؟

       والجواب يكمن فى طيات الاعتراض.

       فأولا: الايمان لم يعط لنا لكى نرمى بانفسنا الى التهلكة ونقول ان الله قادر على ان يحمينا من الخطر.  هذا خاصة اذا كان فى امكاننا ان نختار طريقا آخر لا تعرضنا للخطر.  من يذهب للخطر برجليه هو فى الواقع يجرّب الرب الهه ويكسر وصية هامة تنهانا عنه. 

       وثانيا: الايمان لم يعط  لنا ليكون اداة للاستعراض وفرد العضلات.  الايمان لم يقصد به أن يكون وسيلة للافتخار امام الناس بأننا قادرون على النجاة من الخطر بسبب قوة ايماننا ودون احنياج الى اعمال العقل.  السيد المسيح الذى اجرى آلاف المعجزات عندما كانت هناك حاجة لذلك رفض ان يجرى معجزة واحدة للاستعراض امام من ارادوا ان يتفرجوا للتسلية والمتعة.

       ويتبقى سؤال:  الى أين سيقودنا تمسكنا بالمستير؟ الى اى مدى نحن مستعدون ان نضحى من اجل التمسك بالمستير؟  هل الى ان يحظر ممارستنا للسر ام الى ان تتعرض كنائسنا للغلق أم الى ان تنتشر العدوى بسببنا أم الى أن يتعرض الناس للموت؟  هل هناك طريقة ترضى الله ولا تعرضنا الى كل هذه او بعضها؟

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 


2014 united copts .org
Copyright © 2020 United Copts. All Rights Reserved.
Joomla! is Free Software released under the GNU General Public License.