alqahira alyom

نظرة علي تحولات الإخوان المسلمين 
قدما «الجماعة» تتحركان إلي الأمام وعقلها يزحف خلفها!

حسام تمام: 
تحولات الإخوان تجري وفق منطق الصيرورة الاجتماعية حيث تسبق الحركة التنظير 
قدرة «الجماعة» علي الاستجابة للمتغيرات والمستجدات علي مستوي العمل السياسي تعكس ثوابتها الانتهازية والنفعية

تباين الخلفيات الثقافية والاجتماعية للأعضاء سبب الفجوة التي تعيشها الجماعة بين القول والفعل 
لا تحسم الجماعة موقفها من القضايا الخلافية إلا تحت ضغوط الخصوم وعندما تشعر بالحرج
تعيش حركة الإخوان المسلمين " حالة تحول " تعاني جراءها مخاض تغيرات كبري وجوهرية تخرج بها من حالة «السكون» التي اعتادها منظار كثير من الباحثين والمراقبين مازالوا يعيدون إنتاج نفس الصورة التي كان عليها الإخوان قبل عقدين أو يزيد، كما أنها تخرج أيضا عن حالة " الثبات " التي تسيطر علي المخيال الإخواني فتحيله إلي صورة طوباوية عن الجماعة "الصامدة" "النقية" "الثابتة" رغم تعاقب المحن عليها عبر ثلاثة أرباع القرن أو يزيد!.إنها حالة " تحول " تجعلنا حين التدقيق بإزاء حركة إخوان أخري غير التي كنا نعرفها قبل عقدين أو ثلاثة، حتي ولو تواطأ علي الإبقاء علي الصورة القديمة الأنصار والخصوم.
وأتصور أن أهم ما يميز " التحولات " التي يعيشها الإخوان سمتان رئيسيتان، أولاهما أنها في مجملها تغيرات غير واعية أو مخطط لها مسبقا بقدر ما هي أقرب إلي التغير الذاتي الذي يجري وفق منطق الصيرورة الاجتماعية وهو منطق تسبق فيه الحركةُ التنظيرَ الذي يتأخر ليأتي مكملا لها مؤكدا عليها أو داعما مؤيدا لها بل وأحيانا لا يأتي لتظل الحركة أكثر تقدما من التنظير..وفي كل الأحوال لم يكن التنظير- وهذا حال التحولات دائما داخل الجماعة - مُنشأ أو مؤسساً وإنما تالياً للحركة ومنفصلا عنها.
إنها تحولات تجري وفق منطق البرجماتية الذي طالما وسم المسلكية الإخوانية وأعطاها قدرة علي الاستجابة للتغيرات والمستجدات وخاصة فيما يتصل بالعمل السياسي والعمل العام الذي كان الدخول الكثيف للجماعة فيه المحرك والمسئول الأول عن كل ما طالها من تغيير.
أما الملمح الثاني لحالة التحولات التي تعيشها جماعة الإخوان فهو أنها وإن بدأت بالمجال السياسي وربما بسببه فإنها سرعان ما طالت مجمل الحركة الإسلامية الكبري وغطتها كاملة: مشروعا وتنظيما وأفرادا بل وروحا من دون استثناء وإن بدرجات مختلفة، فرغم أنها جاءت وليدة الدخول الكثيف للجماعة في الحقل السياسي والعمل العام - بشكل أساسي- إلا أنها لم تلبث أن تجاوزت المجال السياسي لتنتقل بتأثيراتها إلي شتي مجالات ومسارات الحركة لتدمغها بطابعها وليسيطر عليها منطقها: منطق الصيرورة الاجتماعية.
المسكوت عنه
ولهذا كله فإن أفضل مقاربة لفهم التحولات التي عاشتها وتعيشها جماعة الإخوان هي المقاربة الاجتماعية السياسية، وهو ما يفرضه منطق التحولات الإخوانية التي لا يمكن الوقوف عليها عبر مراجعة النصوص والأدبيات الصادرة عن الجماعة أو المعتمد منها بقدر ما يجب البحث عنها في المسكوت عنه وغير المكتوب بل وغير الواعي من قبل الجماعة في معظم الأحيان.
أول ما سيلاحظه الراصد لتحولات الإخوان أن هذه التحولات ينفصل فيها دائما الفعل عن الخطاب فلا يخضع له ولا ينطلق منه، فمشاركة الإخوان المصريين- علي سبيل المثال- في الانتخابات الطلابية ثم المهنية والمحلية فالنيابية ..كلها كانت سلسلة من التحولات أشبه بالمبادرات التي لم يسبقها أي تنظير بل دائما ما جاء التنظير داعما وليس منشئا لها! هذا الانفصال بين الممارسة والخطاب لدي الإخوان ربما كان السبب الحقيقي فيما يمكن أن نعتبره " فجوة " أو " تناقض " تعانيه الجماعة، وهو ما يظهر في موقف الجماعة من قضية الدولة، فهي تمارس فعلا سياسيا ينتمي إلي لحظة الدولة الوطنية الحديثة التي نعيش في ظلها فيما مازالت أطرها الفكرية والتربوية عاكفة علي تداول أفكار ونظريات سياسية عتيقة تنتمي إلي ما قبل ظهور الدولة القومية.إنها الفجوة التي يدخل منها خصوم الجماعة للطعن في قناتها واتهامها والتحايل بل و"التقية" والازدواجية التي تستبطن فيها اعتقادا وتمارس في الواقع خلافه.
مع اتساع حركة الجماعة وتعدد مسارات حركتها التي يلتقي فيها الدعوي والسياسي مع غيرهما؛ ومع تعدد بل تباين الخلفيات الثقافية والاجتماعية للمنضوين فيها تتسع هذه الفجوة التي تعيشها الجماعة بين الفعل والخطاب ولكن تبقي هناك حالة " تعايش " بين خطابات وممارسات متباينة بل ومتناقضة، ويساعد علي هذا التعايش ما عرفت به الجماعة تاريخيا من التزام خطاب عام فضفاض يقوم علي قاعدة " أن جماعة الإخوان يسعها ما يسع الإسلام ".
ألغام الجماعة!
يبقي التجاور بين الخطابات المختلفة داخل الإخوان ولا تحاول الجماعة حسمه أو المفاصلة بشأنه إلا حين تضطر إلي ذلك في لحظة " توتر " تستلزم منها الحسم، وغالبا ما يكون حسما تحت حرج اللحظة وضغط الخصم، تماما مثلما جري في قضية الأقباط ودفع الجزية التي أثيرت في حوار شهير للمرشد الراحل الأستاذ مصطفي مشهور عام 1996 فقد أعلن المرشد وقتها أن الأقباط أهل ذمة ويفترض أن تجري عليهم أحكام الذمة بما تقتضيها من دفع الجزية مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية.
ما فعله السيد مشهور وقتها كان مجرد إعلان لتصور يسود قطاعات واسعة داخل الإخوان بل وداخل المؤسسات الدينية الرسمية في عالمنا العربي بما فيها الأزهر الشريف الأكثر استنارة..كان هذا التصور موجودا ورائجا لكن إعلانه في لحظة فارقة وعلي لسان شخص بوزن مرشد الجماعة أثار حملة واسعة وعنيفة ضد الجماعة دفع بها إلي المراجعة ومن ثم الحسم الاضطراري في هذه القضية والقطع لجهة تغليب تصور كان حاضرا لدي بعض أبناء الجماعة من تيار العمل العام الذين دخلوا التنظيم من بوابة السياسة، وهذا التصور كان يتبني الرأي القائل بضرورة القبول بالاجتهاد الجديد الذي يؤسس لفكرة المواطنة علي أرضية إسلامية وهو اجتهاد كان قد انتهي إليه المفكر الإسلامي المستقل الأستاذ طارق البشري. لقد اضطرت اللحظة «الحرجة» التي وقع فيها الإخوان تحت القصف العنيف للخصوم إلي مراجعة تصور فقهي في قضية صارت ملحة بما يعطل الآلة السياسية الإخوانية، ولم يجد الإخوان حرجا في تجاوز طرح إلي غيره طالما جاءت اللحظة التي تؤذن بالتجاوز لأفكار والإعلان عن القبول التام بغيرها كما حدث بعد ذلك في إعلان الجماعة القبول التام بفكرة المواطنة الكاملة لغير المسلمين.
وسنكتشف هنا أن الخطاب الجديد جاء علي طريقة الاستدعاء لضمان استمرار العمل وليس إنشاء لهذا العمل، وأن العقدة أو الفجوة تم حلها أو ردمها عبر خطاب إسلامي ظل هامشيا حينا من الدهر، وهو في هذه الحالة خطاب المفكرين الإسلاميين المستقلين الذين كان ينظر إليهم باعتبارهم علي هامش الحركة وجودا وتأثيرا، فإذا باللحظة التاريخية تتيح لهم فعلا وتأثيرا واسع المدي داخل الحركة التي كانت تظن - من قبل- أنها غنية بأفكارها واجتهاداتها ومستغنية عن الآخرين!
لم يكن هناك قصد إخواني يبيت النية في تعدد الأفكار والرؤي داخل الجماعة بشأن قضية واحدة - كقضية الأقباط، ولكن كانت هناك حالة تجاور وتعايش، كما لم يلجأ تقية أو نكوصا إلي تبني طرح جديد في القضية نفسها، إنما الذي حدث أن اللحظة التاريخية هي التي ساعدت علي تراجع طرح وصعود آخر كان كلاهما موجودا وفاعلا من قبل تحت المظلة الإخوانية التي تقول إن الإخوان يسعهم أي تصور أو اجتهاد يسعه الإسلام!


2014 united copts .org
Copyright © 2020 United Copts. All Rights Reserved.
Joomla! is Free Software released under the GNU General Public License.