Print

العبرة بالواقع وليس بالنصوص

بقلم د. سليم نجيب، رئيس الهيئة القبطية الكندية

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

15 برمهات 1723 للشهداء - 24 مارس 2007 ميلادية

 

من يطالع دستور الاتحاد السوفيتي (سابقا) والدستور النازي في عهد هتلر والدستور الايطالي في عهد موسوليني يجد في هذه الدساتير أجمل النصوص التي تتحدث عن الحرية والحقوق حتى يخيل للقارئ أننا أمام دساتير راقية كل الرقي تدعو الى الحرية  والمساواة وتمتع المواطنين بكافة الحقوق التي تكفلها الدولة. ولكن الواقع المعاش هو قمة الدكتاتورية والقمع والاضطهاد والمعتقلات والسحل... الخ الخ.

ومن يطالع دستورنا المصري والتعديلات الأخيرة المزمع ادخالها يجد أن هناك نصوص كثيرة تتحدث عن الحرية والمساواة وأخيراً المواطنة فالمادتين 40 و 46 تشيران إلى أن المواطنين المصريين متساويين في الحقوق والواجبات بلا تفرقة كما أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية مكفولة وكل مصري مسلم كان أم مسيحي يعلم تماما أن الواقع المعاش يناقض تماما ويتعارض كلية مع هذه النصوص الدستورية فما يلاقية الأقباط من اضطهاد وتعسف وتفرقة وتعريضاً لديانتنا المسيحية يفوق كل النصوص.

فالتغني بديمقراطية دستورنا المصري ومساواة المواطنين المصريين بغض النظر عن الجنس أو الدين.. والتغني بحرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية والتغني بمبدأ المواطنة الذي سيضاف ضمن التعديلات الدستورية يحتاج لضرورة وحتمية إعمال النصوص ووجود آليات الحماية القضائية والسياسية والعملية أي آليات للتطبيق والحماية المقننة.

يا حضرات السادة حكاماً ومحكومين،،،


ان هناك فارق كبير بين النص والواقع. قد يتضمن الدستور -وهو أسمى القوانين وأعلاها شأنا- نصوصاً عن المساواة والحرية واحترام حقوق كل الأفراد ثم يدلنا الواقع والتطبيق على انتهاكات هذه النصوص الدستورية وبالتالي يتأكد الانفصال بين الواقع ونصوص الدستور. يقاس نجاح نصوص الدستور ونصوص القانون بمدى أثرها وتعبيرها عن الواقع. فكيف يمكن لهذه النصوص أن تحقق الانصاف والمساواة في ظل انتهاك شبه يومي في الواقع المعاش فيحدث الفصل بين النص والواقع.

يا حضرات المسئولين،،،


ان التقدم الحضاري لا يقاس بوجود تشريعات وقوانين وانما بمقدار العمل بهذه القوانين واحترامها فيكون الدستور والقوانين مرآة صادقة للمجتمع وصدى لما يحدث في الواقع. نكرر أن العبرة ليست بوجود النصوص بل بمدى التزام واحترام الدولة لهذه النصوص.

وأنقل هنا فقرة من حكم المحكمة الدستورية العليا برئاسة الدكتور عوض المر في 1998 جاء فيها:- "ان الدولة القانونية -وعلى ما تنص عليه المادة 65 من الدستور - هي التي تتقيد في ممارستها لسلطاتها - أيا كانت وظائفها أو غاياتها- بقواعد قانونية تعلو عليها وتردها على أعقابها ان هي جاوزتها فلا تتحلل منها ذلك أن سلطاتها هذه -وأيا كان القائمون عليها- لا تعتبر امتيازاً شخصياً لمن يتولونها ولا هي من صنعهم بل أسستها ارادة الجماهير في تجمعاتها على امتداد الوطن وضبطتها بقواعد آمرة لا يجوز النزول عنها ومن ثم تكون هذه القواعد قيداً على كل أعمالها وتصرفاتها فلا تأتيها الا في الحدود التي رسمها الدستور وبما يرعى مصالح مجتمعها.

فالعبرة اذن ليست في اصدار دساتير وتعديلها أو قوانين ونصوص غير مطبقة -حبراً على ورق، وانما العبرة بالايمان بها وتنفيذها وجعلها ممارسة يومية فعلية في الحياة اليومية. فالعبرة اذن في التطبيق العملي الذي يسمح بمعرفة هل يتم بالفعل إعمال مبدأ المواطنة أم لا؟؟

ان معيار شرعية أي نظام سياسي سيقوم على مدى احترامها للتعددية واحترام الآخر واحترام حقوق الأقليات (الأقلية المسيحية والمرأة والبهائيين... الخ) وحق أعضائها في المساواة الكاملة مع أعضاء الأغلبية.

ان مصر بلد تتسم بالتعددية الدينية بمعنى وجود مسلمين وأقباط يعيشون في نفس المجتمع فانه بالرغم من أن هناك أصوات تقول أن الأقباط ليسوا أقلية فان الواقع الأليم المعاش يثبت -بلا لف ولا دوران- أن هناك مشكلات عديدة لهم ينبغي التصدي ليس بالنصوص النظرية الجوفاء بل باعمال النصوص الدستورية بالعزم والشجاعة ونية خالصة للتنفيذ.


هذا هو الطريق الوحيد لسد الباب أمام التدخلات الأجنبية ولعل هذا يقودنا الى أن نتأمل بعمق الرؤية القبطية لمبدأ المواطنة وكيفية اعماله في السياق المصري المعاصر. وخير ختام حكمة المهاتما غاندي حينما قال:

"تقاس حضارة الدول بطريقة معاملتها  للأقليات".

 

د. سليم نجيب
رئيس الهيئة القبطية الكندية
دكتوراه في القانون والعلوم السياسية
محام دولي وداعية لحقوق الإنسان - قاض سابق
عضو اللجنة الدولية للقانونيين بجنيف
Fax: (514) 485-1533
E-mail: ssnaguib@sympatico .ca or This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.